ابن أبي الحديد
192
شرح نهج البلاغة
مستأخرا بما أكره ، أشرت عليك عند مرض رسول الله صلى الله عليه أن تسأله عن هذا الامر فيمن هو ، فأبيت ، وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة ( 1 ) فأبيت ، وقد أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى اليوم ، أن ترفع نفسك عنها ، ولا تدخل معهم فيها ، فأبيت ، فاحفظ عنى واحدة ، كلما عرض عليك القوم الامر فقل : لا ، إلا أن يولوك . واعلم أن هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الامر حتى يقوم لك به غيرك ، وأيم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير ، فقال عليه السلام : أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان ، وليحدثن البدع والاحداث ، ولئن بقي لأذكرنك ، وإن قتل أو مات ليتداولنها بنو أمية بينهم ، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون ، ثم تمثل : حلفت برب الراقصات عشية * غدون خفافا يبتدرن المحصبا ( 2 ) ليجتلبن رهط ابن يعمر غدوة * نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا . قال : ثم التفت فرأى أبا طلحة الأنصاري ، فكره مكانه ، فقال أبو طلحة لا نزاع أبا حسن ، فلما مات عمر ، ودفن وخلوا بأنفسهم للمشاورة في الامر ، وقام أبو طلحة يحجبهم بباب البيت ، جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، فجلسا بالباب ، فحصبهما سعد وأقامهما ، وقال : إنما تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أصحاب الشورى . فتنافس القوم في الامر وكثر بينهم الكلام ، فقال أبو طلحة : أنا كنت لان تدافعوها أخوف منى عليكم أن تنافسوها ! ألا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي وقفت لكم ، فاصنعوا ما بدا لكم ! قال : ثم إن عبد الرحمن قال لابن عمه سعد بن أبي وقاص : إني قد كرهتها ، وسأخلع نفسي منها ، لأني رأيت الليلة روضة خضراء كثيرة العشب ، فدخل فحل ما رأيت
--> ( 1 ) الطبري : " الامر " ( 2 ) الطبري : " فابتدرن " .